زكي مبارك
129
عبقرية الشريف الرضي
إلا بعد أن اخضر شاربه ونبت عارضاه ، والجمال كان من الصفات المأثورة عن الرجل الذي أعز العرب في بقاع الأرض ، وخلد لغتهم على وجه الزمان الرجل الذي اسمه احمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وحشرنا في زمرة أصفيائه يوم يقوم الحساب . كان ذلك أيها السادة حال الشريف ، فتصوروا كيف جاز لرجل له مثل تلك الأماني أن يفضح نفسه بين الناس فيصرح بأنه من عبيد النحور والخدود والعيون ان ذلك لا يقع إلا في حالين اثنين : حال الشعر وحال الجنون . وما اعتقد أن الشريف كان من المجانين ، فلم يبق إلا أن يكون من الشعراء . وما أدعوكم إلى الخروج على تقاليد المجتمع لتعربدوا في معاقرة الحسن عربدة الشريف ، لا ، وإنما أرجوكم أن ترحموه وتعطفوا عليه ، فهو من سلالة قلّ فيها الشعر جدا ، حتى صار من كنايات العرب أن يقال : فلان من نسل الرسول ، ويعنون أنه لا يصلح للانتساب إلى الشعراء ، وما كان من الحق أن ينسلخ أسباط الرسول من الشاعرية ، وانما السبب في ذلك ان القبائل التي كانت ترشح نفسها للملك لم تكن ترى الشعر مما يليق بالملوك والخلفاء ، وذلك باب من القول فصلته في كتاب ( النثر الفني ) فلا أعود إليه في هذا المساء ، ويكفي أن تذكروا أن الشاعرية لا تزكو إلا إن عاش الشاعر عيش البلبل يتنقل كيف يشاء بين أماليد الأفانين ، والتأهب للملك يوجب أن يصير الرجل من عبيد المجتمع ، فيعيش كرئيس الجمهورية الفرنسية لا يلقي آية كلمة في أي محفل إلا بعد استئذان . وأريد أيها السادة أن أقول إن الشريف الرضي لم يكن يصلح لغير